الرئيسية » المساهمات » إقحام التاريخ في الصراع الإيديولوجي.. منذر بالخراب

إقحام التاريخ في الصراع الإيديولوجي.. منذر بالخراب

من أخطر الكوارث التي قد تعصف بمجتمع ما، أن يعيث غير العالمين فسادا في في ميادين المعرفة، بسيف الانفعال المدمّر الذي لا يبقي ولا يذر. ومن المآسي الكبرى أن يتطاول متحذلقون على التاريخ ولا يتورعون عن تخوين الأبطال وتسفيه الأمجاد ونكران مآثرهم.

وها نحن اليوم نعاني ومنذ أشهر عديدة من شرّ هؤلاء المتحذلقين الذين تملؤهم إيديولوجيات ضيقة، تدفعهم باستمرار إلى التطاول على التاريخ وإلى ليّ عنقه، لاستعماله دون وجه حق كسلاح فتّاك ضد بعضهم البعض. ومن دواعي الحسرة والألم أن تأثير جعجعة هؤلاء المتحذلقين على الرأي العام أكبر من تأثير أقلام الأكاديميين المتخصّصين الهادئة، بحكم تواجدهم في بعض المنابر الإعلامية التي صار التضليل هو شغلها الشاغل، مادام ذلك يملأ خزائنها برنين الدينار. ولا شك أن النبش في التاريخ من طرف غير المالكين لملكة البحث وأدواتها ومناهجها، سيوردنا موارد البوار، وسيهدد بضرب الإسفين في الجدار الوطني المرصوص والعياذ بالله، علما أنه لم يحدث في الماضي القريب والبعيد على حد سواء أن ظهر في مجتمعنا خطاب الكراهية باسم العرقية أو الجهوية رغم محاولات الاستعمار اليائسة. أفلا تعقلون؟.
لقد تعلمنا عن أساتذتنا أن لكل علم أهله المتخصّصون، ميزتهم أنهم مسلّحون بالأدوات العلمية وبمناهج البحث الأكاديمي التي تجعلهم يتفادون اختزال التاريخ في الأخبار فقط، وذلك بإعمال النظر فيما وراء الأخبار، وفق القاعدة الخلدونية التي مفادها:(التاريخ ظاهره خبر وباطنه نظر). تعلمنا أن التاريخ لا يجزّأ حسب الأهواء، ولا يفهم خارج سياق زمانه، فاستعمال المفاهيم والمصطلحات خارج سياقها التاريخي كالشعوبية والخوارج والزواف ومهاري وصبايحية على سبيل المثال لا الحصر، هو مغالطة كبرى غايتها الخداع السياسي وليس خدمة المجتمعات باستخلاص الدروس والعبر من انكسارات وانتصارات الشعوب الغابرة. تعلمنا في مدرجات الجامعة أن المؤرخ يكثر من قراءة المصادر والمراجع في سعيه لإعادة بناء حادثة تاريخية معينة، وأنه يسعى دائما إلى تجاوز الذاتية اللعينة التي تحول دون إنصاف صانعي التاريخ في مجالات مختلفة، لذلك تنافس العلماء في وضع مناهج علمية دقيقة (التاريخانية) تساعد على دراسة ماضي البشرية بنزاهة على غرار مناهج العلوم الدقيقة. تعلمنا عن أساتذتنا أنه ليس كل ما يعرف يقال،فكما أن الطبيب يحدّد جرعات الدواء للمريض حسب حالته الصحية، فكذلك يفعل المؤرخون الذين يقدمون جرعات معرفية وفق درجة وعي المجتمع، ومن ثم فهم يسكتون أحيانا عن ذكر بعض الأحداث، من باب المحافظة على تماسك المجتمع ووحدته وليس إلاّ.
إن تطاول غير المتخصّصين على التاريخ، خاصة الذين يقحمونه في معارك ايديولوجية وهم من آفاق متعدّدة، قد أنجب خطابا مسموما يزرع البغضاء بين ظهرانينا ويهدّد الوحدة الوطنية بالتصدع،عن طريق تقزيم أبطال الجزائر وتخوين عظمائها وتبخيس أمجادها بدون استثناء، من العهد القديم إلى عصرنا الحالي(ماصينيصا ويوغرطة وعقبة والأمير عبد القادر، وابن باديس، ومصالي الحاج، وفرحات عباس، وعبان رمضان، ومالك بن نبي، وكريم بلقاسم، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين..وغيرهم). يحدث هذا في الوقت الذي يصنع فيه الآخرون في العالم أمجادهم من الوهم أحيانا للتباهي بها في المحافل الدولية. فهل يعقل أن يرفع شعار “بناء جزائر جديدة” وخطاب الفتنة يقضّ مضاجعنا ويسافر بيننا في عباءة تاريخية على مرأى ومسمع الجميع، دون أن يحرّك أصحاب السلطة ساكنا لحماية الوحدة الوطنية التي استشهد من أجلها الملايين؟ ودون أن يكون هناك في الأفق ضمير يؤنب أو عدالة تؤدب؟. كما أتعجب ممّن يكتفي برؤية ذيل جريمة التخوين، ويتعامل معها بالانتقائية المدمرة، كأن تخوين فلان حلال، وتخوين علان حرام.
اسمعوا وعوا أيها الناس!.. بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراء تسريب قنبلة “فرّق تسد” باسم التاريخ في زمن الحراك السلمي، علينا أن نضع نصب أعيننا أن الغاية من قراءة التاريخ، هي المحافظة وحدتنا المتماسكة، لا أن نقرأ الماضي للبحث عن القنابل الموقوتة في زوايا التاريخ لتفجيرها على الجدار الوطني المرصوص. لذا أدعو جميع النخب إلى وجوب تجاوز خلافاتها، وإلى إعلان موقفها الصّريح من خطاب الكراهية والتضليل الذي يهددنا في وحدتنا وفي تماسك مجتمعنا، هذا الخطاب المخيف الذي يزدادا حجما ككرة ثلج يوما بعد آخر، دون أن يكون هناك ضمير يؤنب أو عدالة تؤدب. وأنبّه نفسي والغافلين أن معظم النار من مستصغر الشرّر! نعم معظم النار من مستصغر الشرّر. وصدق الشاعر الملمّ بجوهر السياسة نزار قباني في قوله:
– لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس
– وضاعت من قبلها الحمراء
أربأ بكم أيها الجزائريون والجزائريات ألا تعوا درس الأندلس، أربأ بكم أن تستكينوا وأن تسكتوا أمام خطر زرع الكراهية عن طريق تزييف التاريخ وليّ عنقه. وأربأ بكم أن تروا الجزائر تسير نحو التفكك إلى “ملوك طوائف” دون أن تصرخوا في وجه دعاة تفكيك الوحدة وهم كثيرون وفي مواقع متعدّدة، وأربأ بكم أن تروا الجزائر المخدوعة تستصرخكم، دون أن ترفعوا صوتكم كرجل واحد: كفاكم عبثا بالوطن أيها العابثون، فما زال للشهداء عيون.

محمد ارزقي فراد

شاهد أيضاً

وزير المجاهدين: الأجيال ستظل شاهدة على تضحيات “مجموعة الستة”

قال وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، إن مجموعة الستة من الرجال الأفذاذ الذين تعتز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.