الرئيسية » المساهمات » مهذيات مهدي براشد : في فرز القصاصات والأوراق القديمة

مهذيات مهدي براشد : في فرز القصاصات والأوراق القديمة

يحدث بين الحين والآخر أن تطلب مني زوجتي فرز مكتبتي لأخلصها من كل الأوراق القديمة التي لم يعد لها فائدة، علها تجد مكانا صغيرا في هذه المكتبة التي تأخذ ركنا في واجهة البيت، تضع فيه شمعدانا أو مزهرية أو أي تمثال تزين به الواجهة.

ولأنني شخص وثيق الصلة بالأيام الأبعد في حياتي، تجدني حريصا على الاحتفاظ بأشياء قديمة جدا، مثل كشوف النقاط في الابتدائي أو المتوسط، بعض القصاصات من أول محاولات لي في الشعر، قصاصات من جرائد اصفر ورقها، وأشياء كثيرة من هذا القبيل، لا تصلح لأية حاجة لي بها سوى أنها مثل تذكرة عبور أخرج من الحاضر إلى صباي أو مراهقتي أو شبابي، فأشعر بطمأنينة غريبة.

تعرف زوجتي جيدا هذا الطبع في، لذلك لا تتجرأ على أن تلمس شيئا منها دون إذن مني، وهي التي تتجرأ على أن تفتش في هاتفي المحمول وجيبي وتأخذ كل “الصرف” الذي فيه، وهي مطمئنة أن لا شيء سيبدر مني. ولأنها تعرف مدى تعلقي بأوراقي القديمة المنتشرة بين الكتب، المندسة بين صفحاتها، تعرف أن طلب فرزها يحتاج إلى يوم عطلة كامل يغيب فيه الأطفال عن البيت، ويتوقف فيه كل نشاط بالصالون، كي أتفرغ لذلك.

عادة أعمد إلى إنزال كل الكتب والأوراق من المكتبة وأضعها على يميني على الأرض وأبدأ عملية الفرز. فأضع كل كتاب أو ورقة أو ملف أرى ضرورة الاحتفاظ به على يساري.

تأخذ العملية وقتا طويلا، يحدث أن أرى ورقة أو وثيقة فأقرر دون تريث وضعها على يساري. كما يحدث أن آخذ وثيقة بهتت كتابتها أو قصاصة جريدة صفراء عفت أغلب سطورها، فأجتهد في قراءتها حتى نهايتها. لحظتها أنسى نفسي، أخرج من حاضري وأعود إلى الأيام الخوالي، قد أتردد وقد لا أتردد، ولكن في الأخير أجد أنه لا مناص من وضعها على يساري.

على هذا المنوال يستمر الفرز حتى ينتهي اليوم، محصلته أنني حولت كل الوثائق التي كانت على يميني إلى يساري، وكل ما أضفته أنني نفضت عنها بعض الغبار، ثم أعود إلى تصفيفها كما كانت في المكتبة. ولن تجد زوجتي مكانا صغيرا لشمعدان أو مزهرية أو أي تمثال تزين به الواجهة.

أعرف أن زوجتى ستعيد معي الكرة مرة أخرى، رغم يقينها أن طبعي هو طبعي، مثل ذيل الكلب ضعه في القالب سبعين يوما يعود معقوفا إلى الأعلى، مثلي مثل هذا النظام الذي أفرغ البرلمان من نوابه بغرض فرزه ورمي ما لا يصلح فيه، ثم أوقف البلاد على قدم واحدة طيلة ثلاثة أسابيع ويوم، نفض فيها الغبار عن نواب أحزاب أنزلهم من مقاعدهم ثم أعادهم ثانية، إنه نظام لا يطمئن إلا لأوراقه القديمة حتى وإن انمحت سطورها.

مهدي براشد

شاهد أيضاً

وزير المجاهدين: الأجيال ستظل شاهدة على تضحيات “مجموعة الستة”

قال وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، إن مجموعة الستة من الرجال الأفذاذ الذين تعتز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.