الرئيسية » المساهمات » الانتخابات الليبية والمطامع الأجنبية

الانتخابات الليبية والمطامع الأجنبية

كمحاولة لوضع حدٍّ لغرغرينا الأزمة السياسية والاقتصادية التي اجتاحت ليبيا ونغَّصت حياة الليبيين، تمَّ الاتِّفاق على تنظيم انتخابات وطنية في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021 وسط جوٍّ مشحون بالتوتُّر وعدم الاستقرار والدسائس التي تُحاك من قبل القوى الأجنبية الطامعة في ثروات ليبيا الطبيعية.
وتأتي فرنسا على رأس قائمة الدول التي تعيش مُتطفِّلة على الثروات الأفريقية، حيث تصرّ على إقحام نفسها في الصراع الرئاسي الليبي وبسط نفوذها وتوسيع مصالحها في هذا البلد الأفريقي، مستعينة في ذلك بانحيازها إلى أحد أطراف الصراع هناك، اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، الذي تسوَّل بدوره الدعم الدبلوماسي والعسكري من إسرائيل مقابل اعتراف بلاده بها في حال فوزه بالانتخابات، مُنضمّاً بذلك إلى جوقة المقدِّمين لصكوك الولاء إلى الكيان الصهيوني.
لقد استضافت فرنسا، الحريصة على مصالحها ومصالح حلفائها، وليس مصالح الليبيين، مؤتمراً دولياً عن ليبيا في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 في سياق الاستعداد لانتخابات طال انتظارها في بلد غزير الثروات والخيرات، ومصاب بالصراعات ومبتلٍ بالنزاعات؛ فلبَّت القوى الكبرى الدعوة الفرنسية، والتقت في باريس لتُقرِّر مستقبل ليبيا نيابة عن الليبيين المغلوبين على أمرهم.
لقد نصَّبت فرنسا نفسها من خلال هذا المؤتمر حكماً في حلبة النزاع الليبي ووسيطاً غربياً رئيسياً في هذه القضية، وخصوصاً في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات شائكة أخرى، وكما كان متوقَّعاً، تمخَّض مؤتمر باريس بشأن ليبيا عن توصيات حاسمة في ما يتعلَّق بضرورة خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب ومحاسبة مُعرقلي الانتخابات والانتقال السياسي في ليبيا.
زعم الإليزيه أنّ هدفه من هذا المؤتمر هو الحرص على إجراء الانتخابات في موعدها وتحصين نتائجها ضدّ الطعون تمهيداً لتحقيق الاستقرار وتسهيل عملية الانتقال السياسي في ليبيا، ولكن هدفه الخفيّ ربما هو تفصيل الانتخابات على مقاس حفتر وإزاحة أبرز منافسيه من أجل تشكيل رؤية غربية موحَّدة حول النظام الاقتصادي والسياسي الذي يجب اتِّباعه في ليبيا والذي يتوافق مع المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الغربية وأهدافها الاستراتيجية.
على مرّ السنوات الأخيرة، انعقدت العديد من اللقاءات الدولية المشابهة لهذا المؤتمر من أجل مناقشة سبل إعادة ضبط الأمن والاستقرار ومستقبل هياكل الحكم في الدولة واستجابته لما تقتضيه مصالح الأذرع الخارجية التي خرَّبت المشهد الليبي.
لكن لم يُكلَّل أيّ من تلك المؤتمرات بتحقيق الأهداف المُسطَّرة سلفاً والتي لم تتضمَّن بحث السبل المثلى لإجراء الإصلاح الاقتصادي الفعّال في ليبيا، ولا توجيه مسار الحوار الاقتصادي بعيداً عن طاولة المفاوضات السياسية، لأنّ مصلحة الغرب تكمن في إطالة أمد الأزمة وحسن تقسيم كعكة الثروات الليبية والفوز بحصة مناسبة منها دون إعادة كفة الصراع الليبي إلى نقطة التعادل والاستقرار التي تسمح بالمرور إلى المرحلة الموالية التي يتمكَّن فيها الاقتصاد الليبي من استرداد عافيته لينعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية للشعب الليبي، ويفتح أبواب جديدة لتشغيل الأيدي العاملة القادمة من دول الجوار.
تزامن مؤتمر باريس حول ليبيا هذه السنة مع أزمة الطاقة العالمية التي تعصف بأوروبا، وتعتبر ليبيا غنيمة مرغوبة لضخامة احتياطاتها من النفط والغاز التي يسيل من أجلها لعاب فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا.
وتسعى روسيا جاهدة إلى إيجاد موطئ قدم في ليبيا بهدف الضغط على القارة العجوز في ملف أمن الطاقة الحيوي.
وتصرّ تركيا على الانضمام إلى معادلة المستفيدين من النفط والغاز الليبي، وتتمسَّك باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا من أجل التنقيب عن آبار الغاز والبترول في مياه شرق البحر المتوسط، والمطالبة بحصتها في احتياطيات النفط والغاز المكتشفة حديثاً في تلك المناطق البحرية، والوقوف في وجه مشروع خط أنابيب شرق المتوسط “إيست ميد” المُخصَّص لنقل الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى أوروبا الذي تُؤيِّده الولايات المتحدة وتدعمه بشدّة.
مع تزايد المخاوف من تراجع حجم إمدادات الطاقة العالمية، بدت نبرة صوت خطاب الدول الأوروبية في مؤتمر باريس بشأن ليبيا أكثر حدّة وصرامة وحزماً تجاه من تسوّل لهم أنفسهم اعتراض طريق الانتخابات المزمع اجراؤها الشهر المقبل، حيث تعتبر هذه الانتخابات الرئاسية مؤشراً أساسياً على الاتجاه العام الذي سيرسو عليه الاستقرار والذي سيُمكِّن بدوره من جذب الاستثمارات الأجنبية، وخاصة من أوروبا وأميركا وبريطانيا، التي ستتولَّى عمليات الإنتاج والصيانة والتجديد والخدمات في قطاع النفط والغاز الليبي، وستؤدِّي إلى رفع معدل الإنتاج اليومي من 1.3 مليون برميل إلى ما يزيد على 2 مليون برميل خلال 2022 و4 ملايين برميل في عام 2025.
أينما وُجد النفط والغاز في العالم العربي، وُجدت الحروب والانقسامات والصراعات والنزاعات، فقد تحوَّلت ليبيا إلى ساحة حرب مفتوحة تتسابق فيها القوى الكبرى على النفوذ والحدود وثروات النفط والغاز.
وتمكَّنت عشر سنوات من الحرب من تحويل هذا البلد الغني الذي يقطنه حوالى سبعة ملايين نسمة إلى حلبة لمصالح الوكلاء الدوليين تزأر فيها رياح الخراب، حيث تنتشر على مدّ النظر مشاريع بمليارات الدولارات مهملة ومبانٍ مهجورة ومنشآت مخرَّبة ورافعات ضخمة اجتاحها الصدأ.
ونتيجة لذلك، تسلَّل الفقر إلى فئات واسعة من المجتمع الليبي، وتوحَّش الغلاء واستعر التضخم وشحَّت السيولة في المصارف، وهي حالة موصوفة ومعروفة ضمن الحال العربي الميؤوس من تغييره نحو الأفضل.
وإذا استمرّ الدمار الاقتصادي والتراجع الحادّ للقطاعات والأنشطة الاقتصادية، ستلجأ ليبيا لا محالة إلى طرق أبواب الاقتراض، وسينتهي بها الحال إلى الاصطفاف في طوابير الدول العربية التي تتفاوض مع كبار المانحين والمقرضين الدوليين بعدما كان العديد منها ينعم بالاحتياطيات التي تقيها شرّ شروط الاقتراض الخارجي المجحفة.
خلاصة القول، لقد سئم الليبيون الانقسام السياسي الحالي الذي يُقدِّم ثرواتهم على طبق من ذهب للقوى الكبرى التي تحشر أنفها في أمورهم، وهم ينتظرون بفارغ الصبر الفرصة التي ستمكِّنهم من التخلُّص من المشهد الحالي الذي يهيمن عليه قانون الغاب وطيّ صفحة عشر سنواتٍ عجاف.
وفي حال تذليل العقبات الداخلية وغياب التأجيلات والعراقيل النظامية، ستكشف لنا الفترة القادمة عما ستتمخَّض عنه هذه الانتخابات التي تفتقد الأسس القانونية والدستورية وتفتقر إلى أدنى حدّ من النزاهة والشفافية والمصداقية.

شاهد أيضاً

أزمة العلاقات اللبنانية – السعودية .. خلفياتها وآفاق حلّها

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أعلنت المملكة العربية السعودية، أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2021، أنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *