الرئيسية » المساهمات » دعم لمقاطعة المعرض لا لمقاطعة معهد العالم العربي

دعم لمقاطعة المعرض لا لمقاطعة معهد العالم العربي

المعرض الفني الكبير الذي يقدّمه معهد العالم العربي في باريس بعنوان “يهود الشرق: تاريخ ألفي” ويستمر حتى 13 مارس/ آذار 2022 (افتتح في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021) هو، من غير ريب، حدث ثقافي على درجة كبيرة من الأهمية التاريخية والسياسية، بدليل كل هذه المواقف بخصوصه، وكل هذا الكلام الذي لم يتوقف منذ شهرين حوله.

بدأ الأمر في 23 نوفمبر 2021 ببيان “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل حول أنشطة معهد العالم العربي”، يدعو فيه إلى مقاطعة مهرجان “Arabofolies” بين 3 و12 ديسمبر/ كانون الأول (على هامش معرض يهود الشرق)، وإفشاله، ويحضّ الفنانين العرب المدعوين إلى عدم المشاركة فيه والانسحاب منه. وحرصت الحملة على إيضاح أنها “لا تدعو إلى مقاطعة معهد العالم العربي”، بل “لإفشال مشاريع التطبيع التي ينظّمها المعهد والانسحاب في حال فشل الضغط”. بعد ذلك، تتالت البيانات والمواقف والانسحابات: الروائيان إلياس خوري وكريم قطّان، والفنانون علاء أبو دياب وسهاد الخطيب ورامي خليفة وغيرهم أعلنوا مقاطعتهم. ووجّه في 6 ديسمبر الجاري عشرات الفنانين والمثقفين العرب “رسالة مفتوحة إلى معهد العالم العربي في باريس” يلخص عنوانها مضمونها بكثافة: “الثقافة ملح الأرض ولن نسمح باستخدامها لتطبيع الاضطهاد”. وكانت ميشيل سابوني (عضو حملة المقاطعة BDS في فرنسا) قد وجهت في 3 ديسمبر رسالة مفتوحة إلى المغنية نيطع القايم Neta Elkayam، تقول فيها: “لا يمكن لك اليوم نكران حقيقة أنك تُستخدمين كحصان طروادة التطبيع” وتدعوها إلى الاستنكاف عن لعب هذا الدور، وأن تجهر بما تقوله بصوت منخفض بخصوص حقوق الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته. وكتبت إليها أنّ “إحجامك عن القول هو كذلك فعل سياسي”. وكان قد سبقهما في 7 ديسمبر الجاري بيانٌ مهم يُستحسن عرضه أصدرته اللجنة النقابية في المعهد، بعد تدقيق وروية وتدارس داخلي، انتهت فيه إلى تبنّي موقف متوازن من المعرض ومن النشاط المرافق له. تثمن اللجنة فكرة تخصيص معرض ليهود الشرق، وتؤكّد ضرورته وأهميته، غير أنّها تتأسّف لغياب التشاور بخصوصه، علماً أنّ المعهد ليس مضطراً إلى التعاون مع مؤسّسات إسرائيلية من أجل إقامته، ولا مع فنانين إسرائيليين. هذا أسهم في الاضطراب الراهن، وفي انسحاب عديد من الكتاب والفنانين. تعلن اللجنة “تضامنها مع الشعب الفلسطيني، ضحية إنكار إنسانيته وضحية نظام أبارتهايد، وأن المقاطعة شرعية مثلها مثل مقاطعة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا. والمقاطعة أحد الأشكال النادرة للمقاومة غير العنفية التي بحوزة الشعب الفلسطيني”. وضّح بيان اللجنة أنّ التعاون مع المؤسسات الإسرائيلية يسهم في ترويج التطبيع، ويحوّل المعهد إلى ما يشبه حصان طروادة لمصلحة اتفاقات أبراهام. هذا ما يؤكده دونيس شاربيط Denis Charbit، أحد مستشاري المعرض العلميين، الذي يعتبره “إحدى أولى ثمار اتفاقيات أبراهام”، غير أنه، بعد أن أثارت تصريحاتُه لغطا كثيرا، نشر مقالاً في صحيفة لوموند، في 27 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، يبّين فيه أمرين: أن رئيس اللجنة العلمية للمعرض، بنيامين ستورا، هو من دعاه إلى عضويتها، وأنه شارك شخصياً بالأعمال التحضيرية كافة، بما في ذلك تدقيق النصوص ومراجعتها ومنها كاتالوج المعرض. وأنه يعتذرعن تصريحه بخصوص علاقة المعرض باتفاقات أبراهام، “لأن المعرض مقرّر منذ زمن طويل ولا علاقة له بها على الإطلاق”

ثمّة هتك للحدود بين الأهداف الحضارية المعلنة لمعرض “يهود الشرق” والصهيوينة وإسرائيل
لا تكتمل الصورة من غير القول إنّ المعرض مقرّر منذ سنوات عديدة في إطار برنامج ثلاثي الأبعاد قُرّر قبل سنوات عديدة، أي قبل موجة التطبيع أخيراً في إطار ما يُسمّى اتفاقات أبراهام: معرض “الحج إلى مكة” 2014؛ ومعرض “مسيحيو الشرق: ألفا سنة من التاريخ” 2017 ، والمعرض الأخير: “يهود الشرق: تاريخ ألفي”.
تحاشيت في البداية التعليق على موضوع شغل وقتي ردحاً من زمن لم يمضِ بعد، هو موضوع يهود البلدان العربية واللاجئين الفلسطينيين، فعديدٌ من القضايا يجب التدقيق فيها وتمحيصها، قبل اتخاذ أيّ موقف، ومن الحصافة والحكمة عدم الانجرار وراء الجلبة والمزايدات. والجلبة التي أثيرت باسم الوطنية والدفاع عن فلسطين شابَها كثيرٌ من الهرج وفائضٌ من اللغو كي لا أقول شابها كثير من المزايدة والتهريج، غير أنّ أمرين اثنين طرآ على الحكاية في 19 ديسمبر الجاري، أي بعد أكثر من أسبوعين من بداية القضية. أولهما إصدار الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، مراد السوداني، (لست من الاتحاد وكثيرون غيري كذلك) بياناً باسم الاتحاد إياه، نشره على صفحته في “فيسبوك”، يستنكر فيه “كيّ الوعي الفلسطيني” (كذا) ويدعو إلى مقاطعة “هذا المعهد الذي يروّج للتطبيع… ويمرّر بخبث ومكر إلى عقول المثقفين العرب والمفكّرين ما يسعى إليه الاحتلال الصهيوني… وإفساح المجال لتمرير الاحتلال لروايته المشوهة وزيوفه الباهت…” وأثنى السوداني على الدعوة إلى مقاطعة معهد العالم العربي في باريس، و”الضغط عليه للتراجع عن برامِجه المشبوهة بما يخص القضية الفلسطينية”.
لن أسأل لماذا يستخفّ السوداني بالمفكرين والمثقفين العرب، حين يعلن أنّ المعهد “يُمرّر بخبث ومكر لعقول المفكرين والمثقفين العرب”، “رواية الاحتلال المشبوهة”، وهم (أي المثقفون والمفكرون) الذين أثاروا الحملة أخيراً، وهم الذين أثبتوا أنّ عقولهم لم ينطل عليها الخبث والمكر المذكوران في البيان، وهم الذين قاطعوا نشاط المعهد المستهجن، وأربكوا إدارته وبرنامجه، وملأوا الدنيا ضجيجاً، ونشروا البيانات التي وصلت بعد أسبوعين كما يبدو إلى “أسماع السيد الأمين العام للاتحاد العام”.
وثاني الطارئين إصدار دومينيك فيدال Dominique Vidal، المؤرخ والكاتب وصديق الفلسطينيين البارز ومن مناصري حملة المقاطعة العالمية لإسرائيل BDS، ولنقل المعادي للصهيونية، مقالة طويلة نشرها في 19 ديسمبر/ كانون الأول الحالي على صفحته، عن المعرض، وما دار حوله من نقاشات.

فكرة معرض مخصّص ليهود العالم العربي بحد ذاتها حسنة
.. فكرة معرض مخصّص ليهود العالم العربي بحد ذاتها حسنة ومرحّب بها، وينبغي دعمها والعمل على إخراجها بأفضل صورة، ليس لأهميتها فحسب، بل لأنها قبل ذلك كله تتصل بالرواية الفلسطينية والعربية لحكايتنا، ويعرف أبناء جيلي من المشتغلين بالشأن الفلسطيني الثقافي والفكري كيف أننا، في السبعينيات والثمانينيات، بل وحتى في التسعينيات، أكّدنا بإلحاح أنهم (يهود العالم العربي) كانوا ضحايا السياسات التي أدّت إلى اقتلاعهم واستلابهم، كما وضّح ذلك كثيرون من أدبائهم ومثقفيهم. وقد بيّنتْ في سنوات السبعينيات من القرن الماضي دراساتُ الفلسطيني الراحل نزيه القورة، ثم أعمال الراحل إيلان هاليفي في كتابه “القضية اليهودية” (صادر بالفرنسية في 1981) وفي غيره من النصوص، كيف أنّ الصهيونية وإسرائيل قامتا بعملية تبادل سكاني كبير عن سبق تخطيط، تمّت فيها عملية اقتلاع مزدوج: طرد الفلسطينيين العرب من ديارهم واختزالهم إلى لاجئين، واقتلاع اليهود العرب من مواطنهم واستقدامهم إلى فلسطين.
وصار من نافل القول أنّ استخدام التعمية والفبركة والخلط السوقي غدا اليوم جزءاً من ترسانة المطبّعين ومروّجي التطبيع، وأنّ استخدام قضايا نبيلة، مثل السلام وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والناس واحترام الآخر ورأيه، هو بالضبط من أجل وأد هذه الحقوق وتعهيرها ودوسها بالأحذية. وقد لا تكون رئاسة دونالد ترامب قمة هذا السقوط المتدحرج، لكنها تشكّل قعر الانحطاط الذي يُراد به أن تتسيّد قيم الجريمة والظلم والتعسّف والنصب والاحتيال مكان البحث المشروع عن الحرية والإنسانية التي قضت أجيالنا عمرها في ترويجها والنضال المشروع من أجلها وفي الحض على تعزيزها وتعميم قيمها.
ومن نافل القول كذلك إنّ العرب المعنيين بالشأن العام، وبالشأن الفلسطيني على الخصوص، يميّزون بوضوح بين الصهيونية واليهودية، ويعتبرون أنّ الصهيونية وإسرائيل تستخدمان اليهودية وتخلطان عمداً بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل، وأنّهما بالضرورة، أي بالتعريف وبالممارسة، تستخدمان اللاسامية بهذا التوجه. ويستغرب دومينيك فيدال أنّ كلّ المعلقين تقريباً على تظاهرة المعهد توقّفوا لدى جملة شاربيط التي لا تُلزم أحداً سواه، ولدى دعوة المغنية نيطع القايم، في حين أنهم لم يلتفتوا إلى ما هو أكثر دلالة، وهو موقف اللجنة العلمية للمعرض من الرواية الإسرائيلية الرسمية لتاريخها. وقد أصاب دومينيك فيدال، حين بيّن أن اللجنة التي يترأسها بنيامين ستورا، تبنّت، كما يبدو، الرواية الإسرائيلية بخصوص تهجير كل من الفلسطينيين العرب واليهود العرب، وبالضرورة إنتاج قضية اللاجئين الفلسطينيين. والفيلم الوثائقي الذي يعرض خلال المعرض، وكذلك اللوحات التوضيحية المرافقة، تتبنّى كما يستخلص دومينيك فيدال الرواية الإسرائيلية الرسمية التي لا تعترف بوقائع النكبة الفلسطينية (التهجير والطرد)، ولا بوقائع “شراء” اليهود الشرقيين (مثل يهود اليمن والعراق)، ودفعهم إلى مغادرة مواطنهم وتهجيرهم نحو فلسطين فقط.
أصاب دومينيك فيدال، حين بيّن أنّ اللجنة التي يترأسها بنيامين ستورا، تبنّت، كما يبدو، الرواية الإسرائيلية بخصوص تهجير كلّ من الفلسطينيين العرب واليهود العرب
الوقائع عنيدة، ومسؤولية اللجنة العلمية كبيرة، والشخصان المعنيان هنا مؤرخان يحترفان مهنة التأريخ، دنيس شاربيط وبنيامين ستورا. ومسؤولية الأخير كبيرة هنا، فالمعرض، بحسب صحيفة لوموند (13 ديسمبر) من تصميمه وتخطيطه، وهو رئيس اللجنة العلمية للمعرض. ولئن كان من البيّن أنّ شاربيط، “المختص بالصهيونية”، يتبنّى رواية إسرائيل الرسمية عن تاريخها، ويتحمّس للتطبيع، فهل يجهل بنيامين ستورا حقيقة أن الرواية الرسمية لتاريخ دولة إسرائيل كنّستها عملياً منذ ثمانينيات القرن العشرين أعمالُ عدد كبير جداً من المؤرّخين، بمن فيهم أعمال المؤرّخين الإسرائيليين الجدد الذين بدّدوا “براءة” إسرائيل المزعومة، وحوّلوها إلى ركام. هل يجهل بنيامين ستورا Benjamin Stora أعمال بيني موريس Benny Morris مثلاً الذي يعترف بتوافر النية والخطط لطرد الفلسطينيين وبإنتاج قضية اللاجئين الفسلطينيين، في الوقت الذي يبرّرها باعتبارها “ضرورية” لقيام دولة إسرئيل، إذ لا دولة يهودية من غير طرد الفلسطينيين كما يقول، وفي وقت ينتقد بن غوريون لأنه لم يكمل المهمة ويطرد من بقي منهم!. ثم إن جاك لانغ Jack Lang ليس من ينبغي البحث لديه عن خلفيات موقفه من “اتفاقات أبراهام”، وخصوصاً بين المغرب وإسرائيل، فالمعهد ورئيسه كما نعلم يتبع مباشرة وزارة الخارجية الفرنسية، وهذه رحّبت بتلك الاتفاقات، ورأتها قد تكون فاتحةَ مستقبل زاهر للشرق الأوسط، وهذا بالضبط ما قاله جاك لانغ. هذا بخلاف “الإعجاب” الخاص الذي يكنه لانغ للمغرب.
لا خلاف على أنّ ثمّة هتكاً للحدود بين الأهداف الحضارية المعلنة للمعرض والصهيوينة وإسرائيل. ونحن أخبر الناس بانتهاك الحدود بين العداء للسامية المستهجن وتوظيفه بفظاظة لمصلحة أفظع أنواع العنصرية وهي هنا الأبارتهايد. والمشكلة في المعرض الذي أشرف عليه بنيامين ستورا (هل هو الذي اختار دنيس شاربيط، مستشاراً علمياً وأتاح له تمرير قولته بخصوص أن المعرض أولى ثمرات اتفاقات أبراهام؟) أنه يتيح لإسرائيل حق تمثيل يهود الشرق أو اليهود العرب، في حين أن هذه المسألة إشكالية وتجافي الوقائع العنيدة على طول الخط.
كلمة أخيرة بخصوص الدعوة إلى مقاطعة معهد العالم العربي. المعهد، بحسب جلّ الذين يعرفونه، نافذةٌ في واحدة من أهم العواصم العالمية، تطل منها على الثقافة العربية، وبرزخٌ يصل بين عالمين من غير ريب في زمن تتسارع مسافاته تناقصاً وتزداد قارّاته اقتراباً وناسه احتكاكاً. وقد أصابت “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” حين أوضحت، في بيانها المذكور سابقاً، أنها “لا تدعو إلى مقاطعة معهد العالم العربي، بل تدعو إلى إفشال النشاط “التطبيعي”، وللضغط على إدارة المعهد كي تتراجع عن كل نشاط تطبيعي مع نظام الأبارتهايد في المستقبل”.

شاهد أيضاً

الممثلة العالمية ايما واتسون تفجر غضب الكيان الصهيوني

أعربت الممثلة العالمية إيما واتسون، عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، مثيرة بذلك ردود فعل صهيونية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *