الرئيسية » المساهمات » ساعة الحقيقة تدق في إيطاليا.. الحركة الفاشية إلى السلطة

ساعة الحقيقة تدق في إيطاليا.. الحركة الفاشية إلى السلطة


ليس صادماً ولا مفاجئاً هذا الفوز الذي حققه “إخوة إيطاليا” ذو المنشأ الفاشي بزعامة جيورجيا ميلوني (45 سنة)، إذ على المستوى المحلي، بقيت الاستطلاعات تعطي الحزب أفضلية اكتساح صناديق الانتخابات التي جرت أمس الأحد، وهو ما تُرجم عند الثانية والنصف من فجر اليوم الإثنين، حين أعلنت ميلوني مبكراً فوزها على بقية الأحزاب السياسية، بعد نحو 10 سنوات من تأسيس الفاشيين تجمعهم “إخوة إيطاليا” (فراتيلي ديتالي)، والذي لم يحقق في انتخابات 2018 سوى 4.4%.
على هامش العدّ النهائي لأصوات الناخبين، اعتبرت ميلوني أن “الشعب أرسل رسالته الواضحة”. لكن، في مقابل هذه الثقة “شبه الفاشية”، كما بات يسمي المحللون والصحافة الأوروبية هذا التطور الإيطالي، ثمة أرقام تقول أشياء أخرى، إذ يبدو أن تحالف اليمين الشعبوي والمتشدد (إخوة إيطاليا، وفورزا إيطاليا، وليغا)، حصد حوالي 43% من مجموع المقترعين (بلغ 64%، مقابل 72.9% في عام 2018)، نصفهم تقريباً لحزب ميلوني وحده، بحسب قناة “راي” الإيطالية، ما سيجبر الرئيس سيرجيو ماتاريلا على منحها وتحالفها فرصة تشكيل الحكومة المقبلة.
يسار الوسط، الذي ساهمت أزماته وانقسامات اليسار عموماً وغياب تحالف انتخابي قوي لمواجهة معسكر اليمين وبرامج حقيقية لمواجهة أزمات إيطاليا، بهزيمة معسكره، اعترف بها مبكراً، بتحقيق المعسكر أقل من 30%، فيما حقّق الحزب الديمقراطي نحو 19%.
وفيما قالت نائبة رئيس الحزب ديبورا سيراتشياني، ليل أمس، إنها “حزينة على البلاد”، راحت تعزي بقية الإيطاليين باعتبار حزبها الديمقراطي سيكون أكبر حزب معارض في المستقبل، مذكرة ميلوني بأن الأغلبية التي حصلت عليها “ليست أغلبية الشعب”.
بالطبع يوضع الآن على المشرحة أداء زعيم الحزب إنريكو ليتا الباهت، والمركّز على بديهية التخويف من الشبح الفاشي لـ”إخوة إيطاليا”، ما ينبئ بخضة في صفوفه. الانتقادات تزايدت بحق ليتا بعد رفضه الخوض في تحالفات انتخابية مع الحركة الشعبوية الاحتجاجية “الخمس نجوم” بزعامة جوزيبي كونتي، لفرملة التقدم اليميني المتوقع منذ شهر أغسطس/آب الماضي.
وبحسب منتقدي ليتا، ورغم تراجع حركة “الخمس نجوم” بنحو 20% عما حققته في انتخابات 2018 (33%)، فإنه كان يمكن التوافق مع كونتي بدل التشرذم في يسار الوسط.
إلى ذلك، قالت بعض الصحف الإيطالية إن “إيطاليا ستُحكم من قبل حزب ما بعد الفاشية (أو الفاشية الجديدة)”، كما ذهبت “لاستامبا”، في وقت اعتبرت فيه صحيفة “لاريببليكا” أن “موجة ميلوني تتدحرج فوق إيطاليا”.
تشير نسبة الإقبال المنخفضة على صناديق الاقتراع، حيث لم تسجل نابولي (جنوب) أكثر من مشاركة نصف المقترعين، إلى الاستعصاء الذي تعيشه مؤسسة الحكم منذ 1945. فخلال العشرين سنة الماضية فقط، توالت على روما 11 حكومة، وذلك يبيّن أسباب تدهور الثقة بالسياسيين، حيث تنتشر أسئلة يعتبرها البعض خطيرة على الديمقراطية، وأهمها: “وماذا يفيد صوتنا إن لم يحدث فرقاً؟”.
ومع ذلك، استطاعت جيورجيا ميلوني على ما يبدو، بكاريزما شخصية وبعض الدهاء الشعبوي الأوروبي، جعل حزبها في الشارع بمثابة “المنقذ” من الأزمات. فاللعبة المفضلة في معسكر التطرف القومي تبقى المراقبة والبقاء خارج السلطة إلى أن تصل الأزمات إلى ذروتها، ليطرح نفسه بديلاً إن حصل على “تفويض الشعب”، باعتبار أحزابه احتجاجية وتعمل لمصلحة الشعب، برفع شعارات حماسية عن الوطنية والسيادة.
فوز ميلوني يأتي أيضاً على حساب تراجع حزب سيلفيو برلسكوني “فورزا إيطاليا”، إلى تقريباً نصف ما حققه قبل 4 سنوات، ما يجعل الرجل، صاحب الخبرة في الحكم رغم تقدم سنّه (85 سنة)، من دون فرصة لتقديم نفسه كـ”رجل دولة” على المستويين الداخلي والخارجي. وينطبق ذلك أيضا على “ليغا” بزعامة وزير داخلية حكومة 2018-2019 ماتيو سالفيني، بعد تراجع حظوظه وأحلامه المتطرفة في ترؤس حكومة البلاد إلى حين.
في كل الأحوال، النتيجة “التاريخية” والمعروفة مسبقاً في تجاوز حزب “إخوة إيطاليا” أحزاباً أخرى عريقة لا تعني أنّ الطريق ستكون ممهدة في الأسابيع المقبلة أمام تشكيل ميلوني الحكومة. فالائتلاف اليميني ليس منسجماً تماماً، وبالأخص في قضايا تتعلق بالسياسات الضريبية، ومواجهة أزمة الديون، والعجز الهائل في الميزان التجاري، وصرف أموال مخصصة من أوروبا لتجاوز جائحة كورونا، وقائمة طويلة من الوعود الانتخابية والمواقف التي أطلقها أقطاب المعسكر، وإن كان ثمة تقارب بينهم على انتهاج سياسة أكثر تشدداً حيال الهجرة واللجوء.
أيضاً، تخاطر ميلوني في زيادة حدة الاستقطاب في مجتمعها، رغم تبشيرها بأنها ستعمل لأجل كل الشعب، وليستعيد الإيطاليون افتخارهم ببلدهم، بطرحها مسائل تتعلق برؤية مجتمع يقوم على القيم الأسرية المسيحية التقليدية، وعلى اعتبار أن النسويات والمثليين وحقوق الإجهاض تقوّضها.
ببساطة، سئم الإيطاليون، وفقاً لتحليلات خبرائهم ومتابعي اتجاهات مجتمعهم، من عقود من غياب الاستقرار واتهامات بالفساد والعجز عند النخبة السياسية. الثقة تتدنى مع تعمّق مشكلات البلد في النمو الصفري في ثالث اقتصاد أوروبي، وارتفاع الديون والبطالة ومعدلات التضخم.
وعلى الرغم من تدني الثقة والتصويت الاحتجاجي لتيار مشتبه في علاقته بالفاشية، فإن إيطاليا على موعد مع حقيقة مرة أخرى، فهي ليست جزيرة معزولة، بل جزء من فضاء أوروبي أوسع، لن يتردد في الدخول في مواجهة مع جيورجيا ميلوني وائتلافها الحاكم، كما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، أخيراً.

شاهد أيضاً

وزير المجاهدين: الأجيال ستظل شاهدة على تضحيات “مجموعة الستة”

قال وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، إن مجموعة الستة من الرجال الأفذاذ الذين تعتز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.